محاضرة التربة الحسينية و البقاع المقدسة

التربة الحسينية و البقاع المقدسة

للاستماع اضغط هنا

 

من جملة الأسئلة الواردة سؤال حول التربة الحسينية على مُشَرِّفَهَا أفضل الصلاة و السلام ، ما من شك أن التربة الحسينية من جملة المسائل التي يكثر الجدل حولها و تُطرح حولها الإشكالات و تدور حولها التساؤلات , مع العلم أن علماء الشيعة في الواقع لم يُقَصِّرُوا جزاهم الله خير الجزاء , فأي إشكال يمكن أن يُطرح في أي مسألة من المسائل الخلافية سواء ما يرتبط منها بالعقيدة أو ما يرتبط منها بالعمل أجابوا عليه , فمثلاً الآن التربة الحسينية كم كُتِبَ حولها ؟ وكم بُحث عنها ؟.

من جملة من كتب حول التربة الحسينية سماحة المغفور له المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء نظَّر الله مثواه وقدس الله تربته ،له كتابٌ قيم بعنوان ( الأرض والتربة الحسينية ) , ويوجد كتب أيضاً مؤلفة حول هذا البحث ..

وقبل أن نتحدث حول التربة الحسينية ، نود أن نشير أولاً وقبل كل شيء إلى أن بقاع الأرض ليست متحدة في الفضل، بل هناك اختلاف بين أرض وأخرى في الفضيلة والقداسة,والقرآن الكريم كأنما يشير إلى هذا المعنى ﴿ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ الرعد 4

عندما نبحث الموضوع من الناحية المادية نلاحظ بقاع الأرض مختلفة، فمثلاً أرض صالحة للزراعة بمعنى أنك عندما تحرثها و تغرسها و تتعاهدها بالماء تُحَصِّل منها نتاجا طيبا, و هناك قسم من الأراضي تسمى أرض سبخة بمعنى أنك بقدر ما تحرث و بقدر ما تزرع و بقدر ما تتعاهد لا تنتج لك شيئا , أيضاً بقع معينة من الأرض تجد فيها معادن نفيسة غالية ومهمة , وقسم يخلو من تلك المعادن النفيسة , فبقاع الأرض ليست كلها متحدة، ومع أنها لا تتحد من حيث المادة أي أنها تختلف في العطاء ما بين بقعة و أخرى ،فبقعة تلاقي منها عطاءا ضخما و بقعة لا تلاقي منها ذلك العطاء.

 وإذا أتينا أيضا إلى ناحية القداسة والأفضلية نجد نفس الشيء البقاع مختلفة ، فعلى سبيل المثال لنفترض بيتا معينا يملكه شخص أو جماعة, فبحكم كونه بيت فسيكون فيه محل لقضاء الحاجة ، ولا يوجد مانع من استخدامه، ومحل قضاء الحاجة نستطيع أن نجعله في أي مكان في البيت, والحدث فيه ليس بمحظور وممكن أن تحدث فيه الجنابة، فلو فرضنا أنه ملك لشخص أو عدة أشخاص اقتضى نظرهم أن يحولوه إلى مسجد، فأوقفوه وأجروا عليه صيغة الوقفية بأن يكون مسجدا للعبادة, تجرِ عليه أحكام المسجد، و تكون له قداسة وقيمة، بحيث أنه حينما صار مسجدا لا يجوز تنجيسه ولا بد أن ننزهه عن البصاق والنخامة وعن التلويث ولا نعرضه للأوساخ والقذارات و نحاول أن يكون هذا المسجد مكانا يرتاح فيه من يقصد العبادة , ويلزم أن لا نعرض المسجد لشيء يتنافى مع مكانته ومع حرمته وقدسيته. في السابق هو بيت كما تعرف و جائز أن تحدث فيه النجاسة، لكن بمجرد أن صار مسجدا، صار له اعتبار خاص وحكم خاص.

 بالطبع يوجد أحكام تخص المساجد, والفقهاء يقولون لو أن إنسانا دخل مسجدا ليصلي و رأى في المسجد نجاسة، سواء كانت النجاسة في أرض المسجد أو في حائط المسجد أو في فراش المسجد، وجب على الداخل إلى المسجد أن يقوم بدور التطهير من تلك النجاسة وإزالتها، وإذا خالف ولم يقم بدور التطهير فهو قد عطّل واجبا, بل الاكثر من ذلك لو فرضنا أنه جاء ليصلي و في الصلاة متسع من الوقت, يتعين عليه أولا أن يطهر المسجد وبعد ذلك يقيم الصلاة, يقدم الطهارة ثم بعدها يصلي .. و كذلك من جملة مسوغات التيمم "أن لا يكون مقتضي شرعي يتعين يفرض علينا صرف الماء في ذلك المقتضي"، ويمثلون إلى ذلك بما لو أن إنسانا دخل إلى المسجد ليصلي وعنده ماء للوضوء لكنه رأى نجاسة في فراش المسجد مثلا أو في أرضه و كان صرف الماء في تطهير النجاسة مانعا له من الوضوء، في هذه الحالة يقدم تطهير النجاسة على الوضوء بالماء ومن ثم يأتي بالتيمم إذا لم يحصل على الماء.

إذاً بهذا القدر قيمة المسجد و أهمية المسجد فهذا من قبل كان أرضا ،جائز أن تتحدث فيه النجاسة ولا يوجد محذور شرعي، لكن بمجرد أن مسجدا جرت عليه أحكام خاصة .

 ما هو السبب في هذه الأحكام الخاصة و هذه القداسة والأفضلية؟؟ ذلك لأنها تدخل في بيوت الله وبيوت الله مقدسة ومحترمة وقد ﴿ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ النور36 ،علما بأن المساجد نفسها تختلف في قداستها وأفضليتها و تشريفها.

إذا أتينا إلى المسجد النبوي والمسجد الحرام نجد لهما أحكاما أكثر خصوصية عن باقي المساجد الأخرى. فمثلا بالنسبة للجنب أو الحائض أو النفساء ، لا يجوز لهم أن يمكثوا في المسجد بل لا يجوز لهم أن يدخلوا فيهما ليُدخِلوا شيئا أو يُخرجوه، بخلاف المساجد الأخرى حيث أنه إذا أراد أن يدخل لمسجد يتعين عليه أن يدخل من باب و يخرج من باب آخر.

إذاً البقاع كما عرفنا تختلف بعضها عن بعض في الأفضلية و في القداسة و في الأحكام.. فالبقعة إذا كانت مسجدا تكون لها قداسة و أفضلية خاصة و تجري في حقها أحكام خاصة ،أضف إلى هذا ،البقاع التي  لها نوع من الامتياز كالكعبة المشرفة، المسألة ليست مسألة بناء و ليست مسألة حجر ، إنما حرمة الكعبة و قداسة الكعبة من تخوم-حدود- الأرض إلى عنان السماء، فالكعبة ليست فقط هذه البناية الخاصة، بل حرمتها و قداستها لا تخص هذا البناء فقط أو هذا المقدار المرتفع من البناء إنما من الأرض إلى عنان السماء ولذلك أينما تصلي يتعين عليك الاستقبال ،يجب أن تستقبل الجهة المعينة ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ البقرة 144، قد يُقَدَّر أن الإنسان يصلي وهو بعيد عن الأرض بحوالي 50 ألف قدم أو أكثر ،مثلا في الطائرة في بعض الرحلات الطويلة من الممكن أن تمر على الإنسان فيها ثلاث أو خمس صلوات أو أكثر فيتعين عليه أن يصلي, في هذه الحالة إذا كان بإمكانه الاستقبال, أو كان بإمكانه أن يُشَخِص جهة الكعبة المشرفة, فعليه التوجه وإقامة الصلاة(وهوحكم إلزامي) ، مع أنه بعيد عن الأرض بتلك المسافة الطويلة.

 المدينة المنورة لاشك أن لها احتراما عند عموم المسلمين، و على ما أعتقد أن الإمام مالك بن أنس يحكم بتعزير من اعتدى على تربة المدينة ،الذي يقول لا سمح الله أن تراب المدينة ترابٌ رديء مثلاً ،الإمام مالك بن أنس يحكم عليه بأن يُعَزَّر بثلاثين مِقْرَعة, فالمدينة لا إشكال أنها مقدسة و محترمة جداً، ليس المسجد فقط  بل عموم المدينة، المدينة ككل لها قداسة ولها احترام و مكانة.

 علماء الشيعة و فقهاءهم و استناداً لبعض الروايات الواردة عن أئمة الهدى -عليهم السلام- تنص على أن هناك  مواضعا أربعة يُخَيَّر فيها المسافر ما بين القصر و التمام ، أي إذا لم يكن عنده قاطع من قواطع السفر وظيفته القصر، لكن هناك مواضع أربعة يقول عنها أكثر الفقهاء أن المسافر فيها مخير ما بين القصر و التمام، و المواضع الأربعة هي : مكة و المدينة و مسجد الكوفة و الحائر الحسيني. شاهد الفرق هناك في الكوفة المسجد فقط و في كربلاء الحائر فقط وليس أكثر ، الحائر الحسيني إذا كنت تستطيع أن تصلي فيه أنت مخير بين القصر و التمام , وكذلك إذا كنت تصلي في مسجد الكوفة ليس عموم الكوفة وليس في النجف بل خاص بمسجد الإمام علي -عليه السلام- فقط ،فإنك تُخير بين أن تُقَصِّر وأن تُتِم.

أما عندما يكون الحديث عن  مكة يقال مكة وليس المسجد الحرام ليس داخل المسجد فقط بل عموم مكة و كذلك بالنسبة إلى المدينة المنورة سواء تصلي في المسجد النبوي أو تصلي في نفس مبنى السكن فأنت مُخَيَّر بين القصر و التمام، وبالخصوص البيوت الطاهرة أي حجرة وبيوت النبي صلى الله عليه و آله وبيت السيدة الزهراء عليها السلام وغيرها فعموم المدينة بلد مقدس و محترم وكان المسلمون يلتمسون الشفاء والبركة من رطب المدينة في الصدر الأول، كانوا يلتمسون البركة من تراب المدينة.. أما بالنسبة الى الحجرة الطاهرة تربة النبي -صلى الله عليه وآله- فيُصَرِح السَبكِّي بأن تراب قبر النبي -صلى الله عليه و آله- هو أفضل تراب على وجه الأرض على الإطلاق أفضل حتى من تراب الكعبة المشرفة, السَبكي هكذا يصرح، وابن برهان الحلبي في السيرة الحلبية المعروف بإنسان العيون في سيرة الأمين المأمون -صلى الله عليه وآله-(أي سيرة النبي صلى الله عليه وآله) في الجزء الثالث, عندما يذكر مدفن النبي صلى الله عليه وآله يدعي أن الإجماع قائم على أن تربة النبي صلى الله عليه وآله أفضل من تراب الكعبة المشرفة , إذا عرفنا هذا نسأل لماذا تربة النبي صلى الله عليه وآله أفضل من تراب الكعبة؟ ولأي سبب ؟ طبعا السبب هو تضمنها جسد سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله , فبتضمنها للرسول صلى الله عليه وآله صارت أفضل حتى من تراب الكعبة, حسب ما ينص على ذلك فقهاء الأمة الإسلامية بغض النظر عن طائفة و أخرى أو مذهب و آخر ..

اذا عرفنا هذا نأتي لكربلاء المقدسة والتربة الحسينية , نقول أن التربة الحسينية لها امتياز ولها أفضلية ، بمثل ما أن تراب المدينة نال هذا الشرف و هذه الأفضلية لدرجة أن تربة النبي صلى الله عليه وآله بالذات أفضل من تراب الكعبة, تربة الإمام الحسين عليه السلام كذلك لها قداسة و أفضلية, ولا نستكثر هذا المعنى على تراب كربلاء التي تضمنت عضواً من النبي -صلى الله عليه وآله- هل نستطيع أن نفصل الحسين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله؟؟ و الأحاديث الشهيرة التي تقول " حسين مني وأنا من حسين " والتي رويت في كتب السنة والشيعة .. الرسول -صلى الله عليه وآله- عندما يقول حسين مني فإنه لا يريد أن يقول هذا ابني ،لا يريد أن يقول هذا منحدر مني ، مَنْ هنا لبيان الجنس يعني يريد أن يقول هذا من نوعي هذا من جنسي ،كأنما نحن حقيقة واحدة  نوعية واحدة ،لذلك هو يقول هو مني وأنا منه " حسين مني وأنا من حسين "

و الحديث الذي يروى تارة عن أم الفضل زوجة العباس ابن عبد المطلب و البعض يرويه عن أم أيمن حيث رأت إحداهما أو كلتاهما كأن عضواً انفصل من رسول الله -صلى الله عليه وآله- و سقط في حجرها , فأصبحت متأثرة و منزعجة، رؤية سببت لها انزعاجا و تأثرا , فجاءت للنبي صلى الله عليه وآله و الانزعاج و التأثر يبدو عليها ، سألها النبي -صلى الله عليه وآله- عن السبب ؟ قالت له : "رؤية أفزعتني يا رسول الله ، قال لها:  ما هي الرؤية خيراً إن شاء الله ، قالت : رأيت و كأن عضواً انفصل منك و سقط في حجري و أنا على هذا الأساس متأثرة لا أعلم ما نتائجها فقال الرسول : خيراً رأيتي خيراً رأيتي, ستلد فاطمة ولد يتربى في حجرك، فولدت فاطمة بالحسين سلام الله عليه".

 هذه رواية رواها الجميع  , يعني النبي -صلى الله عليه وآله- أَوَّلَّ ذاك العضو بالحسين -عليه السلام- فهو منفصل منه، هو جزء منه، فإذا كان تراب المدينة تراب قبر الرسول -صلى الله عليه وآله- أفضل من تراب الكعبة بسبب تضمنه للرسول -صلى الله عليه وآله- لماذا نستكثر هذه القداسة والأفضلية لتراب كربلاء الذي تضمن جسد سيد الشهداء سبط رسول الله صلى الله عليه وآله والذي صرح به بقوله -صلى الله عليه وآله- "حسين مني وأنا من حسين".

نعم هو جزء منه بل هو وإياه حقيقة واحدة ، الحسين -عليه السلام- صفاته هي صفات  النبي عينا، فلما تسمع الرواة يتحدثون عن صفات النبي صلى الله عليه وآله هي نفسها صفات الحسين أبيض ،مشرب بحمرة ،أدعج العينين ،سهل الخدين ،ذو شيبة بهية ،كأن جبينه دائرة القمر ،بأسنانه تفليج ،كأن عنقه إبريق فضة ،هذه كلها صفات النبي صلى الله عليه وآله ،لكن للأسف أتى لأناس وهو يحمل روح النبي صلى الله عليه وآله بين جنبيه فما احترمت فيه حرمة الرسول صلى الله عليه وآله وما رُعيت في حقه حرمة النبي صلى الله عليه وآله .

اضف هذا الموضوع الى: