محاضرة للخطيب الحسيني خادم أهل البيت عليهم السلام في عام 1404هـ في حسينية العوامي
بعنوان عقيدتنا في التوحيد والتوسل
للاستماع للمحاضرة اضغط هنا
يقول أميرنا وسيدنا إمامنا إمام المتقين أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسلام « فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ «فِيمَ ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم ». نهج البلاغة
هذا درس قيم من دروس التوحيد الصادرة عن باب مدينة العلم أمير المؤمنين أبي الحسن سلام الله عليه حيث يتناول صفات الله عز وجل فيقول « فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، » يعني من وصفه جعل له قرين ،ومن جعل له قرين فقد نفى عنه الوحدانية ،« ثَنَّاهُ » يعني جعل له ثاني ،هذا ما يفهم من كلام الإمام علي عليه السلام ،لكن أين الصفات التي وصف الله بها نفسه؟ ونحن لا نختلف أن لله صفات قد وصف بها نفسه فهل هذه الصفات هي التي ينفيها الإمام عليه السلام؟
لا ليست هذه التي ينفيها الإمام عليه السلام إنما ينفي الصفات الزائدة عن الذات والمغايرة للذات وهذا ما وقع فيه الأشاعرة ،قالوا بأن صفات الله مغايرة لذاته ،فإذا صارت الصفات مغايرة لذاته ،يعني صارت ذاته بعيدة عن الصفات ،يعني ذاته شيء والصفات شيء آخر ،ولزم من هذا تعدد القُدامة ، لزم من هذا أن القديم ليس واحد بل صار أكثر من واحد.
مثال لتقريب المعنى أكثر
إذا قلنا أن فلان من الناس عالم فهل حقيقة فلان وحقيقة العلم واحدة ؟ طبعا لا ... لماذا ؟ لأن الإنسان يعرف بأنه حيوان ناطق والعلم يعرف انطباع صور الاشياء في الذهن.
فالعلم شيء والإنسان شيء آخر ،فإذا قلنا أن فلان عالم يعني العلم زائد على فلان والعلم ليس صفة ذاتية لفلان إنما هي صفة مكتسبة.
عندما نقول الله عالم فهل نتصور زيادة على الذات؟! وهكذا عندما نقول الله قدير فهل نتصور ذاتاً ونتصور قدرة مغايرة للذات؟! أو نقول الله حي هل نتصور حياةً ونتصور ذاتاً؟! ،وعندما نقول الله غني نتصور غنىً ونتصور ذاتاً؟.
الصفات التي ننفيها عن الله هي الصفات الزائدة عن الذات ،فنقول التوحيد يقسم إلى أقسام ثلاث : توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد العبادات.
فنقول المتصرف في الكون هو الله وحده ولا يوجد ذات تتصرف في الكون إلا ذات الله ﴿ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ ولا توجد حقيقة إلا ما صرح بها القران، ولا يوجد شيء في التوحيد إلا ما صرح به القران.
﴿ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ البقرة 255 ،إليه مرد الأمر كله هو الخالق وهو الرازق فما من أحد له تصرف في الكون سواه .
توحيد الصفات يعني الاعتقاد أن الصفات المنسوبة لله سبحانه ،صفاته الثبوتية الجمالية الكمالية، هي عين ذاته وليست بزائدة عليه
أما الذي قال عنه خصمنا أننا ننفي السمع والبصر وننسبها للأئمة ... فهذا محض افتراء لم يقل به أحد إنما هي وساوس أملاها عليه شيطانه وهذه لم يقلها أحد من الشيعة إنما نحن ننفي الجارحة ونحن لسنا مجسمين ،فنقول هو سميع يعني عالم بالمسموعات بصير يعني عالم بالمرئيات.
أما أن نقول أن له عين وأذن وفم ولسان ويد ورجل ... معاذ الله هذا لا نقوله ... التجسيم ليس عندنا ... نحن نقول ليس كمثله شيء فهو متنزه عن صفات خلقه.
ونحن إذ ننفي التجسيم فإن المنطق معنا والدليل معنا ... لماذا ؟ لأن الجسم مؤلفٌ من أجزاء كما هو مفترض، ونحن إذ نقول أن الجسم مؤلف من أجزاء فهو مُرَكَب والمُرَكَب يحتاج إلى مُرَكِب ،فهو حادث إذاً ، وله من ركبه والذي ركبه أقدر منه.
وهم قالوا قط الشعر وقالوا له نعلان من ذهب ،ومن يريد أن يطلع على المصادر فهي موجودة ،وعندنا أن هذا لا يكون ولا نُقِره، وقالوا غير ذلك والآيات التي استندوا إليها لم يحَكِّموا فيها عقولهم بل أخذوها على ظواهر ألفاظها فمثلا: قال تعالى ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ المائدة 64 ,وقال ﴿ وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ الذاريات 47 ،هذا يعني ان الله له يد ، وقال تعالى﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ طه 5 ، يعني استوى جالس عليه وكان قوي نشيط ما يسعه العرش ومن طوله كانت رجله خارجة من العرش وبهذا يكون الله مخلوق ومُرَكَب.
لا ... تعالى الله عن ذلك ، الإمام الباقر عليه السلام يقول بما معناه الذي تدركه عقولكم و تتصوره أوهامكم مخلوق مثلكم مردود اليكم. وأبو الحسن عليه السلام يقول « فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ «فِيمَ ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ »
وذاك الكلام كله ليس عندنا ولا نُقِره ولا يُقره المنطق بكل حال من الأحوال ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ الانعام 103
وإذا افترضناه مرئي فالمرئي متحيز لجهة كيف ما كان ذلك المرئي، كبيرا كان أو صغيرا، والمتحيز إلى جهة تخلو منه جهة أخرى. والقران يقول ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ المجادلة 7 ... و يقول ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ البقرة 115
فأين المتحيز وأين القاعد في مكان معين ، هذا من المختلقات و المبتكرات ، الصحيح أن نقول أنه ليس بجسم و ننفي التجسيم لماذا ؟ لأن مثل ما قلنا الجسم مُرَكَب والمُرَكَب يحتاج الى مُرَكِب.
وإذا كان يتصور أن الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه واله والأئمة عليهم السلام معناه أن ننسب كل شيء للأئمة عليهم السلام فلا يتصور هذا.
الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه واله وبالأئمة عليهم السلام والاستغاثة بالمخلوق على الإطلاق سواء بالنبي صلى الله عليه واله أو الإمام عليه السلام أو أي مخلوق تنقسم الى قسمين:
2) وأما أننا نتوسل بالنبي صلى الله عليه واله وبالإمام عليه السلام ونجعله وسيلة بيننا وبين الله فهذا شيء لا مانع منه فهذا واسطة
هل يستطيع المخالف أن ينفي توسل الناس بالنبي صلى الله عليه واله في حياته؟ وهل يستطيع أن يقول أن هذا لم يحدث؟
يأتي اعرابي في يوم من الأيام ويقف ويلتفت إلى النبي صلى الله عليه واله ويقول
أتـيتك والعـذراء تبكي برنة وقد ذهـلت أم الرضيع عن الطـفل
وأخـت وبنـتان وأم عجوزة وقد كدت من فقري أخالط في عقلي
وليس لنا ما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلا اليك ملاذنا وأيـن ملاذ الناس إلا إلى الرسل
ماذا تريد أكثر من هذه الصراحة ؟ وأكثر من هذه العبارة ؟ فلو كان هذا ممنوع لقال له الرسول صلى الله عليه واله أشركت يا مشرك ولا تقل مثل هذا الكلام .
يعني عندما يقول وليس لنا إلا اليك ملاذنا يعني أنت واسطة بيننا وبين الله .
﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ يوسف 97 وهذا صريح القران فهل يعني هذا أنهم طلبوا المغفرة منه ؟ لا وإنما طلبوا منه الوساطة بينه وبين الله.
وهل ينكر أحد أن الرسول صلى الله عليه واله واسطة بيننا وبين الله ، فنحن عرفنا ديننا بسبب النبي صلى الله عليه واله ولولاه ما عرفنا ديننا ولولاه ما عرفنا السير في الطريق القويم وما اهتدينا فهو واسطة بيننا وبين الله وهو وسيلة.
فهذا الاعرابي لم يقل له النبي صلى الله عليه واله أنت مشرك وطرده بل استقبله بالترحيب وعرف حاجته أنه يريد أن يستغيث فرمق السماء بطرفه فهطلت السماء بوابل المطر حتى تساقط المطر بغزارة وجاء أهل المدينة يهرعون إليه يستغيثون خفنا الغرق على أنفسنا فاضت الحيطان وامتلأت الاودية.
فقال اللهم حوالينا ولا علينا فتفرق السحاب عن المدينة وصار المطر حولها والشمس طالعة على المدينة وهي تبدو من بعيد كأنها الإكليل شرق وغرب وشمال وجنوب والمدينة ليس بها شيء .
هذا توسل بالنبي صلى الله عليه واله أو لا ؟! ... أم تقول هذا شيء في حياة الرسول صلى الله عليه واله وبعد موته انتهى من أين لك الدليل على هذا الكلام ؟ كيف يكون في حياة الرسول صلى الله عليه واله مباح وبعد وفاته حرام ؟
أليس الرسول صلى الله عليه واله والصديقون والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون أوليس يروى حَياتِـي خَيْرٌ لَكُمْ ومَـمَاتِـي خَيْرٌ لَكُمْ يا رسول الله كيف حياتك خير ومماتك خير قال نعم حياتي خير لكم لأن الله يقول ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ الانفال 33 ، ومماتي خير لكم لأن صحائف أعمالكم تعرض علي كل اسبوع كل يوم خميس وفي نقل كل يوم خميس ويوم إثنين فما وجدت فيها من عمل صالح سرني ذلك وسألت الله الزيادة لصاحبه وما وجدت فيها من عمل سيء استغفرت الله لفاعله .....وهذه الرواية واردة من طرق السنة .....
فهذا الذي بعد موته صحائف أعمالنا تعرض عليه ، لو جئنا ووقفنا عند قبره وقلنا السلام عليك يا رسول الله ويا شفيعا عند الله ,يا وجيها عند الله اشفع لنا عند الله ... أهذا شرك؟ أهذا حرام ؟
وما دخل مسألة زيارة القبور في قضايا العقائد ، هذه مسألة من المسائل الفقهية أساسا ،وهذا الكلام إنما حدث في القرن السابع الهجري من عهد ابن تيمية فقط والذين قبله من العلماء لم يكن عندهم هذا الكلام.
ولزيادة العلم علماء القرن الأول الهجري كفروا الحجاج بن يوسف الثقفي ،لماذا ؟ لأنه رأى الناس يوما يطوفون بالحجرة الطاهرة والمنبر فقال إنما يطوفون برمة وأعواد لو طافوا بدار أمير المؤمنين عبد الملك لكان خير لهم.
فعندما قال الحجاج ذلك الكلام اعتبروه استهانة بالرسول صلى الله عليه واله فأفتى العلماء بكفره.
وأهل بيت الرسول صلى الله عليه واله ،أبناء الرسول صلى الله عليه واله هم بحكمه ،فمن لا يعتقد لهم شأنيه لا يعتقد لهم عظمة هذا شأنه ،أما نحن فنعتقد لهم عظمة ونعتقد لهم شان رفيع والواقع يفرض نفسه ولا يحق لأحد أن يقول أن هذا العمل شرك لأننا نرجوه أن يكون واسطة بيننا وبين الله لأنه كريم على الله وله منزلة عالية عند الله ليس أكثر.... ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله ،إنا لله وإنا إليه راجعون .
لو لا حدود من صوارم أمضى مضاربها الخليفة
لنشرت من أسرار آل محمد نكتا لطيفة
وأريتكم أن الحسين أصيب في يوم السقيفة




